السيد علي الحسيني الميلاني
78
شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة
ولم ينقل إنكار هذه القضية إلا عن الكابلي صاحب ( الصواعق الموبقة ) ، وإلا فإن القوم - حتى أشدّهم تعصّباً في سائر الموارد كابن تيمية - يذعنون بصحة الخبر ، لكونه في البخاري ومسند أحمد وغيرهما ، وصحّحه الحاكم على شرط البخاري ومسلم ، ووافقه الذهبي . . . . إلا أنهم يحاولون الدفاع عن عمر كسائر الموارد بالتأويلات والاحتمالات . ولعلّ أقوى احتمالاتهم أنه كان جاهلاً بحالها . . . لكن لفظ الحديث في مصادرهم يأبى هذا التوجيه ، ففي رواية أبي داود : « عن ابن عباس قال : أتي عمر بمجنونة قد زنت ، فاستشار فيها أناساً ، فأمر بها عمر أن ترجم ، فمرّ بها علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليه فقال : ما شأن هذه ؟ قالوا : مجنونة بني فلان زنت ، فأمر بها أن ترجم . قال فقال : ارجعوا بها . ثم أتاه فقال : يا أمير المؤمنين ، أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة : عن المجنون حتى يبرء . . . » . لأنّ في هذا الحديث قرائن على علمه بحالها : الأولى : إنه لو كان جاهلاً بحالها - وهو يعلم بحكم الحدّ في الزّنا - لما شاور الصحابة فيها ، بل حكم بإجراء الحدّ عليها . والثانية : قول الناس ، إنها مجنونة بني فلان ، يشهد بكون جنونها معلوماً ومشهوراً بين الناس ، فجهل عمر بحالها حينئذ بعيد جدّاً . والثالثة : قول الإمام عليه السلام لعمر : أما علمت . . . فإنه شاهد علمه بحالها وإلا لقال له بدل ذلك : أما علمت إنها مجنونة بني فلان . . . . ووجه آخر ذكره أبو سليمان الخطابي إذ قال بعد الحديث المزبور : « قلت : لم يأمر عمر برجم مجنونة مطبق عليها في الجنون ، ولا يجوز أن يخفى هذا ولا على أحد ممن بحضرته ، ولكن هذه المرأة كانت تجنّ مرّة وتفيق أخرى ، فرأى عمر أن لا يسقط عنها الحدّ لما يصيبها من الجنون ، إذ كان الزنا منها في حال الإفاقة ،